ابو القاسم عبد الكريم القشيري

240

كتاب المعراج

رؤيا الكرسي فلمّا علم اللّه تعالى صدق الإرادة في القصد إليه صيّرني طيرا ، كان كل ريشة من جناحي ، أبعد من المشرق إلى المغرب ألف ألف مرّة . فلم أزل أطير في الملكوت ، وأجول في الجبروت ، وأقطع مملكة بعد مملكة ، وحجبا بعد حجب ، وميدانا بعد ميدان ، وبحارا بعد بحار ، وأستارا بعد أستار ، حتى إذا أنا بملك الكرسي استقبلني ، ومعه عمود من نور . فسلّم عليّ ، ثم قال : خذ العمود . فأخذته فإذا السّماوات بكل ما فيها قد استظلّ بظلّ معرفتي ، واستضاء بضياء شوقي ، والملائكة كلّهم صارت كالبعوضة عند كمال همّتي في القصد إليه . ففي كلّ ذلك علمت أنّه بها يجرّبني . فلم ألتفت إليها إجلالا لحرمة ربّي اللّه تعالى . ثم لم أزل أطير وأجول مملكة بعد مملكة ، وحجبا بعد حجب ، وميدانا بعد ميدان ، وبحارا بعد بحار ، وأستارا بعد أستار ، حتى انتهيت إلى الكرسي . فإذا قد استقبلني ملائكة لهم عيون بعدد نجوم السّماوات ، يبرق من كل عين نور تلمع منه ، فتصير تلك الأنوار قناديل ، أسمع من جوف كلّ قنديل تسبيحا وتهليلا .